أبي منصور الماتريدي

31

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 25 إلى 26 ] وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 25 ) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 26 ) وقوله - عزّ وجل - : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ اختلف فيه ؛ قيل : الجنة ، والسلام : الله أضافها إلى نفسه « 1 » ؛ كقوله : وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ [ الجن : 18 ] فأضاف الجنة إلى السلام إن كان دار السلام هي الجنة ، فهو - والله أعلم - لأن المساجد هي أمكنة يقام فيها القرب ، والجنة هي مكان اللذة وقضاء الشهوة ، فأضافها إلى السلام لما يسلم أهلها عن جميع الآفات ، والمساجد خصت بالإضافة إلى الله تعالى ؛ لأنها أمكنة يقام فيها القرب . وقال بعضهم : دار السلام : الإسلام . ثم يحتمل كل واحد من التأويلين وجهين بما سمى الإسلام دار السلام والجنة ، كذلك سمى الإسلام دار السلام ؛ لأنه يأمن ويسلم كل من دخل فيه عن جميع الأهوال والآفات التي تكون . والثاني : سمى [ الإسلام دار السلام ] « 2 » أضافه إلى نفسه ؛ كقوله : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ . . . الآية [ الزمر : 22 ] ، أخبر أنه على نور من ربه ؛ فعلى ذلك إضافة الإسلام إليه « 3 » . ومن قال : دار السلام الجنة سمى دار السلام ؛ لأن كل من دخل الجنة سلم وأمن عن الأهوال كلها والآفات جميعا . والثاني : دار : الجنة ، والسلام : الله أضاف إليه ؛ لأنها دار أوليائه ، وقد تضاف إلى الله على إرادة أوليائه ، والله أعلم .

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 548 ) ( 17619 ، 17620 ) عن قتادة ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 545 ) وعزاه لأبي نعيم والدمياطي في معجمه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس . ( 2 ) في ب : السلام الدار الإسلام . ( 3 ) قال المبرد : ( وصف بالسلام ، أي : لا يقدر على السلام إلا هو ، والسلام : عبارة عن تخليص العاجزين عن الآفات ، وهو المنتصف للمظلومين من الظالمين ) ، وعلى هذا التقدير : « السلام » مصدر « سلم » . وقيل : سميت الجنة دار السلام ؛ لأن من دخلها سلم من الآفات ، وقيل : المراد بالسلام : التحية ؛ لأنه - تعالى - يسلم على أهلها ، قال - تعالى - : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 58 ] ، والملائكة يسلمون عليهم أيضا ، قال - تعالى - : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ . سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ ، وهم يحيون بعضهم بعضا بالسلام ، قال - تعالى - : وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ . ينظر اللباب ( 10 / 303 ) .